خديعة الأبوية الزائفة وأنوثة ضالة (أمريكية إسرائيلية)

أ. د. إبراهيم جلال فضلون

عندما تشرق الشمس من الشرق، لا يملك الغرب إلا أن يراقب ظلاله وهي تتلاشى" حكمة سياسية معاصرة أثبتت أن أخطر أنواع الاستغلال هو ذلك الذي يأتيك بعباءة العلاج، بينما هو يزرع فيك الداء ليبقى هو الدواء الوحيد، دواء الخزي والعار لأجساد بالية لا محالة، ف​لم يعد الحديث عن "تراجع" الدور الأمريكي في المنطقة مجرد تحليل أكاديمي، بل بات حقيقة رقمية واقتصادية تفرض نفسها على ركام الأساطيل المنسحبة، حيثُ انتهى زمن "الأبوية الزائفة" التي مارستها واشنطن، وبدأت دول الخليج، بوعي استراتيجي حاد، في صياغة بديلها التاريخي، مُتجهة بكامل ثقلها نحو القوى الآسيوية الصاعدة، في تحول يُنهي عُقوداً من الارتهان لوعود "الدرع" الذي لم يحمِ سوى مصالح صانعيه.

هذا الغرور اصطدم بصخرة الواقع؛ فبينما ضرب ترامب "جزيرة خرج" للسيطرة على مضيق هرمز، كانت إيران تدير المعركة بذكاء ميداني لافت. ضربة "جزيرة أبو موسى" واستهداف البوارج الأمريكية، وصولاً إلى عمليات الإنزال الجريئة على السفن الإسرائيلية وأسر جنودها، كلها شواهد على تفوق تكتيكي أربك الحسابات الغربية.

فاتورة "الجنون" الاقتصاديوبلغة الأرقام حتى يومنا هذا، تعكس حجم الكارثة التي تسبب فيها هذا الفكر "العقاري" في إدارة الدول. فلم تكن الحرب بالنسبة لترامب سوى "صفقة سلاح" كبرى، لكن النتائج جاءت عكسية تمامًا:

<!--خسائر الاقتصاد العالمي: بلغت التقديرات الأولية للخسائر المباشرة وغير المباشرة نحو 8.4 تريليون دولار جراء توقف سلاسل الإمداد واضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.

<!--أسعار الطاقة: قفز برميل النفط ليتجاوز حاجز الـ 210 دولارات، مما وضع العالم على حافة انهيار تضخمي لم يشهده منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

<!--تكلفة التسلح: أنفقت دول المنطقة في غضون الأشهر الأخيرة ما يقارب 450 مليار دولار على منظومات دفاعية تبين أن فاعليتها مبرمجة لحماية أهداف محددة خارج الحدود الوطنية.

البوابة الأسيوية: ​لم يكن التحول الخليجي نحو الصين والهند وروسيا مجرد "رد فعل"، بل كان عملية جراحية لاستئصال التبعية، وفق الأرقام التي تتحدث بوضوح عن هذا الانزياح:

<!--​التجارة البينية: تجاوز حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والمحور الآسيوي حاجز الـ 1.2 تريليون دولار مطلع عام 2026، متفوقاً بمراحل على الشراكة مع الغرب.

<!--​الطاقة والأمن: باتت "طرق الحرير" الجديدة هي الضامن الفعلي لتدفق النفط والغاز، بعيداً عن حماية حاملات الطائرات الأمريكية التي ثبت أنها تنسحب عند أول مواجهة حقيقية، كما حدث في "حرب الجزر" الأخيرة.

<!--​السيادة التكنولوجية: استبدال المنظومات الأمنية الغربية بتقنيات آسيوية مكنت دول المنطقة من كشف خلايا التخريب التي حاولت واشنطن وتل أبيب زرعها لإشعال الفتنة الداخلية.

​ الراية المزيفةلقد حاول المحور "الماسوني-الصهيوني" جرّ دول الخليج ومصر إلى أتون مواجهة مباشرة مع إيران عبر سيناريو "الراية المزيفة"، حيثُ شهدت الشهور الماضية محاولات يائسة لتنفيذ عمليات إرهابية داخل السعودية والإمارات والبحرين والكويت، لإلصاق التهمة بطهران وتفجير الحرب الشاملة. إلا أن "ذكاء الأرض" وتيقظ الأجهزة الأمنية أجهض المخطط؛ حيث أثبتت التحقيقات والقبض على الخلايا المنفذة أن المحرك كان "أجندة خارجية" تهدف لتحويل الخليج إلى ساحة حرب بالوكالة، تبيع فيها واشنطن السلاح وتجني إسرائيل ثمار الدمار. هذه "الصحوة الخليجية" أدت إلى تحول استراتيجي جذري، وبدأت نغمات المطالبة برحيل القواعد الأمريكية كليًا تتصاعد، بعدما أدركت العواصم العربية أن "الحليف" ليس سوى تاجر أزمات.

الاستعارة القاتلة: ​إن ما مارسته إسرائيل ومن خلفها أمريكا تجاه المنطقة يشبه تماماً تلك "العلاقة السامة" التي تقودها طبيبة مُتلاعبة فاقدة لحيائها وللضمير البشري، متظاهرة بامتلاك أدوات الحضارة والرُقي، وتدعي أنها تعالج "هواجس الأمن" لدى جيرانها، لكنها في الحقيقة تستغل "نقاط الضعف" لتشبك ضحاياها في شباكها، مُستغلة رغباتهم في الاستقرار لتُمارس عليهم أبشع أنواع التلاعب النفسي، وهي مُغيبة لما تفعله بنفسها، فمثلها لا يتبع سوى شهواتها الدموية للسلطة والتحكم في علاج الناس، ومثلها كانت إسرائيل تمد أذرعها كـ حبارير تنفث حبرها المُضلل في فضاء المنطقة لتغطية مناوراتها، وأرادت أن توهم الجميع بأنها "الحليف الضروري" الذي لا غنى عنه، وهي تتلاعب بخلاياها النائمة لضرب العمق العربي لتنكشف بأفعالها في السعودية والكويت و البحرين، بينما كانت هي "المرض" الذي يتغذى على نزاعاتنا. لكن الغرور الإسرائيلي-الأمريكي اصطدم بحقيقة أن "المرضى" المفترضين كانوا أكثر ذكاءً فلا تعلم عنهم مهما عاشت بينهم سوى ضلالات؛ فدول الخليج اليوم، ومن خلفها وعي شعبي وعسكري صلب، تلاعبوا بـ "المُتلاعبة"، وتركوا "طبيبة الوهم" تواجه مصيرها وحدها بعد أن اكتشف العالم زيف حضارة تقوم على أنقاض الآخرين.

​ الـ "حبور" الزائف: كان انكسار الهيبة وتلاشي قوتي (واشنطن وتل أبيب)، فاقدين حاضنة هامة لهما بالمنطقة، لتزداد لديهم حالة الـ حبور والنشوة الزائفة، وهم يشاهدون المنطقة تغرق في النزاعات، ظانين أن شعوب المنطقة ستظل رهينة لمخططات "الماسونية" التي تهدف لتحويل الشرق الأوسط إلى متجر سلاح دائم، لكن هذا الـ حبور انقلب غماً؛ ففشل ترامب ونتنياهو في إدارة "حرب الجزر" أثبت أن العقلية العقارية لا يمكنها إدارة صراع الوجود، إذ تم ​تدمير أقوى البوارج الأمريكية، واضطرار واشنطن لاستدعاء النجدة من اليابان، وعجز حاملات الطائرات عن حماية مضيق هرمز، وطلب التحالف الدولي لحماية المضيق، كلها دلائل على أن "البعبع" الأمريكي قد انتهى مفعوله منذ أن سقطت الهيبة من أفغانستان إلى بحر العرب. وفي المقابل، أثبتت إيران أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه، ليس بقوة السلاح فحسب، بل بذكاء استغلال المساحات الشاسعة والقدرة على توجيه ضربات مركزة جعلت الكيان الصهيوني ينهار داخلياً بنسبة تجاوزت ما يقرب من 70% إلى 80% من البنية التحتية العسكرية والاستراتيجية للاحتلال، مما جعل نتنياهو يترنح سياسيًا وعسكريًا في غضون أسبوعين فقط.

وقفة: ​إن دول الخليج اليوم ليست "ضحية" في هذه العلاقة السامة، بل هي الطرف الذي قرر قطع "حبال الوصل" مع حليف غادر. وهي اليوم، بذكائها الدبلوماسي واتجاهها نحو طرد القواعد الأجنبية وتصفير الاعتماد على الغرب، تضع حجر الأساس لنظام إقليمي يعتمد على "الأمن الذاتي" والتعاون البيني، بعيدًا عن إملاءات "الماسونية" التي تريد تحويل الشرق الأوسط إلى مصنع سلاح ومقبرة للبشر. وذلك الاتجاه العربي هو المسار الوحيد لاستعادة الحضارة الحقيقية للمنطقة. لقد سقطت الأقنعة، وتبين أن أمريكا لا تريد حماية أحد، بل تريد حماية "جيبها" و"ربيبتها" إسرائيل، ولكن العالم استيقظ على حقيقة أن الشرق لم يعد يحتاج إلى أطباء نفسيين من الغرب ليعالجوا أزماته، بل يحتاج فقط إلى إرادته المسلحة بالوعي والأرقام.

المصدر: أ. د. إبراهيم جلال فضلون
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 26 مشاهدة
نشرت فى 14 إبريل 2026 بواسطة zatak

ساحة النقاش

"ذاتك" للتنمية البشرية

zatak
بوابة ذاتك هي إحدى بوابات التنمية المجتمعية "كنانة أونلاين"، وهي تهتم بنشر المعارف في مجال التنمية البشرية من أجل خلق أجيال جديدة قادرة على تحديد أهدافها وبناء مستقبلها. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,811,724