
الأباطرة الرقميون
د. إبراهيم جلال فضلون
المشكلة الحقيقية ليست في ذكاء الآلات الذي يتنامى، بل في حكمة الإنسان التي تتوارى؛ فنحن نصنع أدوات خارقة لعقول عاجزة عن ضبط بوصلتها الأخلاقية، فلا يجوز لشركات التكنولوجيا كتابة قواعد الذكاء الاصطناعي، وهو أمر مقلق للغاية زاد بعد النزاع القائم بين شركة Anthropic وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ونحن اليوم، والعالم لا يقف عند مفترق طرق تقني فحسب، بل يواجه أزمة وجودية في "حوكمة العقل"، فمن الواضح أن شركة خاصة تهتم بالضوابط الأخلاقية أكثر من أقوى مؤسسة عسكرية في العالم.
إن النزاع حول أحقية شركات التكنولوجيا في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي ليست مجرد خلاف قانوني عابر، بل هي معركة على "الروح السيادية" للمستقبل، وهو ما تتلاعب به الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً، فبينما كانت القوانين تاريخياً تُكتب في أروقة البرلمانات، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع غريب تتقاسم فيه المختبرات الخاصة والمؤسسات العسكرية سلطة التشريع الكوني، وهي معضلة إدارة ترمب.. (صراع الأخلاق في حقل الألغام)، ليكشف النزاع القائم بين تلك الشركات ومنها Anthropic وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن خلل هيكلي في ميزان القوى العالمي.
وتقدم تجربة الهند نموذجا مفيدا للبلدان التي تسعى إلى تسخير الذكاء الاصطناعي بطرق تخدم المصلحة العامة، لكنها بمساندة ماسونية يهودية. وخاصة نظام الهوية البيومترية "أدهار" (Aadhaar) وواجهة الدفع الموحدة لتلبية احتياجات المواطنين اليومية، لكن ليس بمقدور كل دولة بناء نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية الخاصة بها أي بناء "مخ اصطناعي" متكامل، ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك؛ لأنهُ يطلب ثالوثاً تعجز عنه معظم الاقتصادات) القدرة الحوسبية الهائلة، البيانات الضخمة، والعقول النادرة)، فعلى الرغم من أن مثل هذه الإستراتيجية لا تزال تتطلب استثمارات، ومؤسسات، وبنية أساسية، وحوافز مناسبة، فإنها تنطوي على إمكانية تحقيق نتائج على نطاق واسع.
وعندما تُصنف وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) شركة وطنية رائدة مثل Anthropic كـ "خطر على سلاسل التوريد"، لمجرد إصرارها على وضع ضمانات تمنع استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية أو الأسلحة ذاتية التشغيل، فإننا نكون أمام مفارقة تاريخية: (القطاع الخاص بات حارساً للقيم أكثر من المؤسسة العسكرية الأقوى في العالم)، وهُنا يمثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي المحاولة الأكثر طموحا حتى الآن لتطبيق هذا النهج. وهو ذا مبدأ أساسيا (التكنولوجيا ليست فوق القانون).
إذاً هذا النزاع يعكس تحولاً جذرياً؛ فالدولة التي كان من المفترض أن تحمي المصلحة العامة، أصبحت ترى في "الأخلاق البرمجية" عائقاً أمام تفوقها الميداني. فالبلدان التي تفشل في بناء هذه الأسس لن تتخلف عن الركب في السباق التكنولوجي الحالي فحسب؛ بل إنها تجازف، وكأنها أمام تهديد للأمن القومي أي "انحرافاً حوكمياً" خطيراً، حيث يُعاقب المبتكر لأنه رفض أن يكون "ترساً" في آلة القمع الرقمي، لكن النبأ السار هنا هو أن الحكومات والمستهلكين لا يزالون يتمتعون بالنفوذ، التي تجعل مثل هذه الاتكالية غير ضرورية قبل أن تصبح تكلفة التقاعس عن العمل باهظة للغاية، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي المستقبلي سيكون "أداة تحرر" أم "سلاح استعباد" عابر للحدود.
إن المحاولات الفردية المنعزلة لبناء "ذكاء اصطناعي وطني" مغلق قد تؤدي إلى كوارث أمنية وفنية. الطريق الأسلم، هو التنسيق الدولي لأنه ليس خياراً ديبلوماسياً، بل هو ضرورة حيوية؛ فسلامة الذكاء الاصطناعي "كلٌّ لا يتجزأ"، وقد يُؤدي إلى انهيار منظومة الأمن العالمي الرقمي، فالتكنولوجيا لا تعترف بالحدود الجغرافية، وبالتالي فإن القوانين يجب أن تكون "كونية الروح، محلية التطبيق".
لقد غيرت أدوات الاستخبارات مفهوم بناء وإدارة الشركات… وبعيداً عن الأروقة السياسية، نجد أن الذكاء الاصطناعي قد دخل غرف اجتماعات مجالس الإدارة ليغير وجه الرأسمالية ذاتها. لقد أصبح "الذكاء الاصطناعي" هو التبرير الجاهز لكل عملية تسريح كبرى للعمال. فعندما نرى مارك زوكربيرج أو جاك دورسي يتحدثون عن "الكفاءة" والقيام بالمزيد بمجهود أقل، فهي إشارة لنقل الثروة من "الأيدي العاملة" إلى "المعالجات الرسومية"؛ حيث يتحول البشر من "أصول إنتاجية" إلى "أعباء تشغيلية" في نظر الخوارزمية. وهُنا تقع المسؤولية على عاتقنا لضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى "روبن هود عكسي" يسرق من الفقراء ليعطي لملاك الخوادم.
إن ما نتعلمه من صراع شركات التكنولوجيا مع التشريعات، ومن تجارب الصحافة والإعلام مع المحتوى المولد، هو أن الإنسان يجب أن يظل "الحارس الأخير للحقيقة". التشريعات، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، يجب ألا تُرى كقيود بيروقراطية، بل كـ "صمامات أمان" هيكلية، كما إن المعركة المُستقبلية الحقيقية، ليست بين واشنطن وبكين، ولا بين Anthropic والبنتاغون؛ بل هي معركة الإنسان مع نفسه لاستعادة السيطرة على أدواته
وقفة: إن المجتمعات التي تترك لشركات التكنولوجيا كتابة قواعد اللعبة، هي كمن يترك للذئب كتابة قوانين المرعى، وهكذا يتبين أن الذكاء الاصطناعي على الرغم من طابعه الثوري لا يلغي جوهر المهن لاسيما "الصحافية"؛ بل يعيد اختبارها في أعمق مستوياتها. فالذكاء الاصطناعي مرآة تعكس قيمنا؛ فإذا أردنا آلات رحيمة وعادلة، فعلينا أولاً أن نصلح ما أفسده الجشع في نفوسنا، بالقدرة على ترويضها أخلاقياً ومهنياً، بحيث تظل الحقيقة هي البوصلة، ويظل الإنسان هو الحارس الأخير لمعناها، فالحكمة هي البوصلة الوحيدة التي لا تضل في عواصف الابتكار. @drIbrahimgalal



ساحة النقاش